الاسم: أحمد منصور
البلد: الامارات العربية المتحدة
التصنيفات : خاصة,سياسة وأخبار,ثقافة وفن,أدب وكتب
أظهر كافة المعلومات
| ► | يونيو 2009 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | ||
| 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 |
| 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 |
| 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 |
| 27 | 28 | 29 | 30 | |||

كانت بيروت أحد احلامي التي قفزت قبل عقد من الزمن، كنت ما أزال طالبا جاء ليقضي فسحة بين فصلين دراسيين، تحمل صديقي نفقات التذكرة وحملت معي مبلغا زهيدا من المال، كان بمثابة كل ما أملك وكل ما استطعت الحصول عليه، كان المال الذي لدينا بالكاد يكفي للسكن لمدة أسبوع في نزل مرصع بالنجوم في بيروت، فآثرنا الارتقاء الى مدينة “عاليه” لنحظى بسكن رخيص يؤمن لنا أطول مدة للبقاء، وأوهمنا أنفسنا أن النجوم عندما تنزل على الارض فإنها لا تجلب إلا الحريق، ولا تهادن إلا الجنرالات وتصبح قاسية كإنسان الحروب.
البجعة البيضاء
كنت دائما أتخوف الكتابة عن الحب وعن الحرب، وأكاد أفعل هذه المرة، فالحب والحرب يجتمعان الآن في داخلي، وفي داخلي تلهج بيروت وحيدة كبجعة بيضاء في محيط أسود. العاطفة تتسرب إلي وتكاد تشقني من النصف بينما يعبر روحي حبل الكتابة المعلق من دون عصا التوازن، أيهما أغالب، عاطفتي التي خذلتني كثيرا كلما أحببت أم أصابعي التي خانتي أكثر كلما فرغت من حب؟ فشلت هذه المرة مجددا في تحديد خياري، فدفعت بالاثنين معا، وليكن ما يكن.ذاكرتي حسمت أمرها ولم تنتظر؛ وصلت الى هناك وأخذت تتجول في سهوب لبنان كبهيمة سائبة.
عندما وصلت هناك، كانت الحرب الأهلية قد حطت أوزارها للتو، وللتو أيضا كانت إسرائيل قد ارتكبت مجزرة قانا، وكان دم الاطفال القتلى دافئا كجمر فقد بريقه للتو بينما بقي وهجه يخالط المجرات البعيدة.
وقبل ذلك ببضعة أعوام، كان العرب قد اجترحوا عملية السلام التي سميت اتفاقية أوسلو وجاءت بعدها “أسلوات” جديدة ومبادرات عديدة اطلقت كلها كحراب عمياء، لكنها، تساقطت، وبشكل دقيق، في بؤرة اللاجدوى، حيث لا شريك يمد يديه للسلام سوى النية المبيتة للقتل.
هواجس وأفكار
ذهبت الى هناك حاملا معي القليل من المتاع والمال، والكثير من الهواجس والأفكار؛ فحلم بيروت ها هو يتجسد رغم مناوأته كل تلك السنوات الفائتة، لم أكن أعرف بالضبط ما أريد، ولم تكن عدم المعرفة تقلقني أو حتى تخز فضولي بوبر جلدها الخشن، كنت آنذاك مستمرئاً فكرة اللحظة، كنت أقذفها كالنرد في كل اتجاه، فاتبعها ولا نصل، كان رأسي يضج بكل شيء، وكان لكل شيء على حده، ان يستفرد بمساحة من الزمن تضاهي فترة مكوثي بأكملها، كنت أشعر عند نهاية كل يوم، أن الزمن بشكله الحالي غير كاف في بلد كهذا، كان لزاما على الألم ان يفر كجرد صغير الى قبو سحيق؛ قبو يقود الى هاوية في نسيج الزمن، لم يكن هناك ما يريب سوى الجمال بسطوته الساحرة؛ كيف لكل شيء ان يكون جميلا الى هذا الحد؛ هكذا تساءلت عندما جلست على الشرفة المطلة على بيروت مساء وكانت “لغطيطه” (أو سحابة الندى) تنزلق من أعالي الجبال كعاشق مخلوب يتسلل الى خيمة فتاته الغجرية مقتفيا ظفائرها الممدودة الى أقاصي الوله.؛ لا بد انها تنهدات المحبين من يجلب كل ذلك البلور من مكامنه.
في الصباح المتأخر على الأغلب، كنت أجر نعاسي الى الحمام المشترك للنزل، كان صاحبي يستفيق قبلي على الدوام ليحظى بشيء من الماء الدافئ ولذة الصبحية الباكرة كما يقول، أما أنا، فكنت أماطل الصحوة وأندم كل يوم لاحقا، كنت استفيق على مهل مثقلا بكراكيب النعاس الذي ادفع بوسواسه في لحظة حاسمة تحت قطرات الماء البارد حتى يفر كشيطان مربد. لم يكن نزلنا نظاميا، ولم يكن فيه ما يطبخ او يقدم كوجبات يمكن للمرء الاعتماد عليها او على وجودها، وفي الاوقا
أحمد منصور أحد شعراء قصيدة النثر الذين اجترحوا لها مضموناً مسايراً لزملاء بحثوا ومازالوا في قيمة الإنسان المعاصر المحكوم بقيم الآلة وضوابط تتشابه مع كولونيالية تتسلط بالجبر، وفتش أحمد منصور عن وهج الالم ومكايدته في ذات الإنسان المشنوق بهذا الجبروت وفي محاولته لتقديم بانوراما تشمل الداخل والحالة المعيشة في الظاهر، فكشف عن وعيه بالأسباب، ولكنه تعمق في نكأ الجرح وصب الملح الضافى بالألم على تجربة الإنسان في إطار المكان الشانق له والضاغط عليه، ومن مخطوطته قيد الطباعة سنرى بعض مداميك الفن وضوابطه وكذلك بعض المضامين في قصيدة أحمد منصور وسنتخذ من قصائده نماذج نبحث فيها عن بعض الاستجلاءات الفنية والمضمونية في تجربته:
عبدالفتاح صبري
النهار برمته/ كل هذه المقبرة.. كل هذا الحب/
دمعة على الرف/ اتكأت على جمرتك.. ومضيت/
هذه قراءة ضالة أعيد بها تفكيك نوايا القصيدة حين أعيد هطول مؤشراتها لنرى قصدية أخرى أو موازية في السياق المضموني في قصيدة أحمد منصور. وسأبدأ بقراءة القصيدة بدمج العنوان وبداية ونهاية كل قصيدة في أضفورة واحدة ولنرى المعنى الراشح من نص جديد أراه متماسكاً يفي ببعض مضمونيتها.
عنوان: “النهار برمته”
البداية: ها هو ذا يطل من جديد
النهاية: هكذا
أوهمني
الكولنيل
هذا النص الموازي أو المختزل للنص الأصلي يكشف للرائي مدى إمكانية الولوج إلى قصيدة النثر بقراءة أخرى ربما لا يكون الشاعر مسؤولاً عنها تماماً مثلما هو غير مسؤول في التلقي عن نصه بجغرافيته التي أطلقها علينا.. ولكن هذا التفكيك وإعادة اللصق وفق رؤية تراتبية تنبثق منها مفاتيح جديدة لفهم النص أو فهم ما يوده الشاعر أن يصلنا وفق رؤيتنا أو رؤيته.. وقد يفتح ذلك أسئلة عن التماسك الفكري والمضموني لدى القصيدة إن كانت هذه القراءة الاعتباطية ستفضي إلى سوية ما في النظر إلى هذه القصائد برمتها.
وفي هذا النص سنرى أن الحياة لا تتجدد وأن الجمود في الحراك التبديلي ثابت بمعنى أدق، النهار لا يحمل أي جديد ولا يطل بأي مفارقة ولكنْ هناك ايهام بالتغيير وإذا سحبنا ذلك على مرحلة ما لا تحمل تغييراً لصالحنا ولكن اعلام الحكم يوهمنا بأنه تم التغير للأصل والأحلى والأحسن.
إنها قراءة للفترة الكولونيالية التي حكمت ومازالت بصيغ مغايرة الأوطان والناس، والنص “النهار برمته” مستوحى من شخصية الكولونيل في رواية جابريل جارسيا ماركيز الشهيرة لا أحد يكاتب الكولونيل كما أظهر ذلك الشاعر أحمد منصور في نهاية القصيدة المذكورة، ومن مجمل النص سنرى محكية عن الإنسان المحكوم بضوابط صارمة باتجاه حتفه وأن كل شيء يسير وفق مشيئة هذا المتسلط على الإنسان وحتى على صيرورة الزمان والمكان.
ومن نص آخر
العنوان: كل هذه المقبرة
البداية: كجرم سماوي توهجنا
النهاية: شغف
القلب
بالطيران
وسنرى بالكيفية نفسها في نص “كل هذه المقبرة” هذا النص الجديد المركب وفق رؤية الاختزال وسنجد أنه مضمونياً يوحي بأن المكان مقبرة متسعة والمقبرة رمز للموت والعدم واللاحياة.. هذا العدم يوحي بالرفض وعدم الاتساق فيتوهج ويضطرم في بحثه نحو الخلاص والخروج من المكان بل والزمان وتوهج بالقلب نحو الانعتاق والطيران إلى خارج الحدود الزمكانية.
وفي النص الأصلي سنرى كيف أنه يحتفي بابراز بانوراما عن الإنسان والمكان والمحبطات والآمال والطموحات وكيف أن الإنسان شغوف بالانعتاق بحثاً عن الخير والحرية والأمل بعيداً عن كل الكوابح والمقيدات المادية والمعنوية وكل مايلوث المدينة الجديدة.
نص آخر
العنوان: “دمعة على الرف”
البداية: خجلاً
النهاية: ونموت مجدداً
كالضباب
وفي قصيدة “دمعة على الرف” سنرى في نصها المقترح والمختزل النهاية العدمية للإنسان القابع في أتون حركة الزمان والمكان، وكأن الإنسان دائماً مشروع مؤجل ونهايته بالموت لا تعني مفارقة الحياة ولكنه الموت الرمز رغم وضوح الحياة.
وفي النص الأصلي سنرى الفكرة نفسها بتفصيلات حركية وبانورامية تتناسل، لتعمق الفكرة… فكرة العدمية والموت في عز الحياة وأنه لا فائدة رغم الآمال المطروحة باتجاه إنارة الطريق.
وفي النص الأخير المقترح من قصيدة “اتكأت على جمرتك.. ومضيت”
سنكشف هذا النص
العنوان: “اتكأت على جمرتك.. ومضيت”
البداية: تضرب بمجدافك في الريح
النهاية: ثم يحنطونك في جارور
ومن النص السابق سنجد استكمال الشاعر لنفس النظرة للإنسان ومكابدته في ظل حياة تتخللها القسوة، ورهبة الخوف من حياة يضطرب فيها الإنسان بين أنواء وآلام وآمال.. وعبث البحث وقهر الألم وفي النهاية لا شيء سوى الموت، اتكأت على جمرتك ومضيت بآلامك تفتح دروباً نحو المستقبل الخلاص ولكن كمن يجدف في الريح بلا فائدة وفي نهاية التعب والمشوار الذي لم يتوج بتحقق الآمال ستموت وتحنط في جارور أي ستتجمد عند حدود ما يريدونه، هم، وسيقتلونك.
والنص الأصلي مكتنز بالروحية نفسها التي تجعل من الإنسان بل ومنك أن تلهث في العدم، في الهواء وآخرين يترصدونك ويجتهدون لوأدك ووأد أحلامك وآمالك وسيقضون عليك بالقوة والرصاصة وسينهون حياتك وأنت تتأملها، وأنت تبحث فيها عن نفسك وعن خلاصك وستكون النهاية هي الموت المحقق بواسطة هذه القوى القاسية التي تترصد الإنسان.
العنوان باب سيرة
يشكل العنوان عتبة أولى للولوج إلى النص، كما أنه سيفتح سيرة مختزلة للنص أو العمل محملاً بدلالته واشاراته الفاتحة تجاه الوعي بمفردات ومحمولات النص الموسوم، الأمر الذي سيجعلنا أمام قراءة أولية لما ينتوي الولوج فيه من تجسدات ومحكيات سواء كان العنوان متوازياً أو متضاداً في شكله المبثوث.. والزمن الميتافيزيقي الذي يبحثه منصور في نص “النهار برمته” يشير إلى هذه العلائق والتشابكات الحسية في المتن، وهو هنا يجسد اشكالية العلاقة مع الوجود والذات، الوجود بمعنى العالم الذي نحياه والذات الشاعرة في تجربتها.. إن شعرية العنوان ذات علاقة دلالية أيضاً بوظيفة العنوان. هذه البنية المحيلة إلى العمل ككل ليس كوظيفة اتصالية وحسب ولكن كعلاقة دالة برؤية وفلسفة الفكرة، وكأنه معادل مصغر ومبتسر ورمزياً ينوب عن النص في الاطلالة الأولى وإن كان لن يشيع التفاصيل الصغيرة التي ستتناسل من النص ككل وبالتالي يفتح العنوان “النهار برمته” ايحاءات التلقي الآمن
1/1
“الحياة من دون يقظة لا تستأهل عناء عيشها”
تومادو كونانك
كيف يمكن للحقيقة المطلقة، وفي أيّ ثوبٍ تزيت به، أن تصبح إرهاباً ومصدراً للأخطاء القاتلة والشرور المدمرة؟ وهل يمكن لتبعات هذه الحقيقة، وعبر انشطارية أخطائها المحتملة دوماً، أن تقود أي مجتمع أو جماعة إلى الهاوية وتصيبهما بمقتل؟ ثم ما هي النسقية الثقافية التي تتشكل عبرها سلطة الحقيقة المطلقة في المجتمع؟ هل أصل الحقيقة هو الشر أم الوهم أم الجهل أم الخطأ، أم هو كل هذا معاً؟ وأيضاً إذا كنا نتحدث عن سلطة للحقيقة، فكيف يمكن لهذه السلطة أن تستحوذ على الحقيقة المطلقة، في غياب حرية الوعي النقدي اللازم لفهمها وردعها؟
هذه الأسئلة المركزية إذاً، ستظل مفتوحةً كالشرايينِ المفتوحةِ، ويمكن لها أن تثير حولها حوارات فكرية وثقافية جذرية ومطولة أيضاً. غير أنني هنا، وبحسب المساحة الممنوحة لي، سأحاول إضاءة بعض الجوانب التي تتعلق بمسألة الحقيقة المطلقة وحرية النقد.
(1)
بالطبع، وكما هو معروف، ليس الحديث عن الحقيقة جديداً، بل هو متجدد على الدوام. فمنذ فجر الحضارات الأولى، والبحث عن حقيقة الذات والآخر ومشكلة الخطأ وعلاقتها العضوية بظهور الحقيقة، كانت من أهم القضايا التي انشغل بها الفكر الفلسفي منذ نشوئه وحتى اليوم. ففي الفكر اللاهوتي في التقليد الغربي اليهودي والمسيحي مثلاً، ظلّ ينظر للإنسان بوصفه جُبلَ من طينةِ الخطيئة، أو “الشر المعنوي”، كما يسميه بول ريكور. غير أن الخطأ بحد ذاته لا يعتبر كارثة ولا نهاية حياة؛ لأن “الخطأ شرط ملازم للوجود”، كما يؤكد نيتشه. فالكائن البشري، وبما أنه لم يولد حكيماً ولا فيلسوفاً ولا عالماً وإنما ولد جاهلاً، فهو في سلم ارتقائه المعرفي والعقلي لابد له أن يخطئ ويتعثر في مساره، شريطة أن يدرك أخطاءه ويقوم بتصويبها. فهذه الأخطاء الفردية في النتيجة، تكسبنا خبرةً ووعياً، وتصقلُ مواهبنا ومعارفنا، وتدلّنا على حقيقة ذواتنا وتكشف حقيقة وجودنا في علاقته بمن حولنا. لهذا يقال دوماً، من لا يخطئ لا يتعلّم، ومن يتعلّم فعليه أن يخطئ، لكي يعرف معنى الحقيقة ويتذوق طعمها ويستلذ بنورها ويحافظ على دوامها، من دون أن يتعصب لها أبداً. لأن كل حقيقة في نهاية المطاف هي نسبية. الخطأ إذاً للأفراد بمثابة الحافز للتعلم وأحياناً للندم، برغم هذا فإن البشرية كلّها تدين للخطأ بوصفه الباعث على معرفة الحقيقة في تدرجاتها، كيفما كان شكل هذه الحقيقة ودرجة حجمها ومقدار عظمتها وديمومتها. من هنا يؤكد نيتشه ثانيةً، على “أن الخطأ هو شرط المعرفة”؛ أي أن الخطأ هو شرط معرفة الحقيقة.
غير أن ما أعنيه هنا بالخطأ المجتمعي حصرياً، ليس هو هذه السلسلة من الأخطاء الفردية التي تحدث يومياً وعلى مدار الساعة في كل مكانٍ وزمان؛ بل تلك التي بإمكانها ومع مرور الوقت أن تتحوّل إلى آليةٍ تداوليةٍ تدخل في “سيستم” المجتمع نفسه، وتصبح ماكينة تسلطية لتفريخ الأخطاء الفادحة على تعدد مجالاتها وأنواعها. إن الخطأ المجتمعي إذاً، بإمكانه أن يوفر لنفسه السلطة اللازمة لبقائه. لكن سلطة الخطأ هذه قد تقصر أو تطول، وذلك بحسب طبيعة المؤسسة أو المؤسسات المجتمعية التي تتضافر في ما بينها لإنتاج الخطأ، وكذلك اختلاف الظروف ودرجة الوعي لدى أبناء المجتمع الواحد. فهي تطول عندما تتمكّن من خداع الناس بصوابيتها وسلامة مقصديتها، فتقوم بالهيمنة على عقولهم وحواسهم من دون أن يفهموا أو يدركوا مرموزيتها الباطنية وأبعادها الخافية، فينخرطوا في تبنيها والعمل بها من دون مقاومة أو مساءلة أو نقاش. وهي تقصر كذلك، عندما يكون المجتمع أو نخبه المثقفة والمفكرة بالخصوص، على درجة عاليةٍ من الوعي بظاهرة الخطأ التي ما زالت ربما تبحث لها عن موقع في جسم المجتمع، فيقومون بتفسيرها ومقاومتها ورفضها وفضح آليات عملها منذ البداية، قبل أن تتمكّن من نسج شبكتها العنكبوتيّة وتشكيل سلطتها وفرض سيطرتها على
بمناسبة يوم الشعر العالمي:
ضدَ إفساد الشِّعر: بيان مرحلة يطلقه الشاعر عبد العزيز جاسم
يأتي هذا البيان الشِّعري، الذي أطلقة الشاعر والصحفي والكاتب الإماراتي عبد العزيز جاسم، كرد حاسم وجوهري لما يدور في المشهدِ الشِّعريِّ الإماراتي على وجه الخصوص، ودونما استثناء لساحات عربية أخرى. وإذ نوقِّع نحن المدونة أسماؤنا أدناه، على هذا البيان/ الموقف؛ فإنما نفعل ذلك إيماناً منّا بالرؤى المطروحة في هذا البيان، ونأينا عمّا يمور به المشهد الشِّعريّ من " حمّى الجوائز والمسابقات وتوزيع الألقاب المضحكة"، و "رفض جميع الأشكال التي تحاول إفساد الشِّعر والشعراء معاً"، كما ورد في نص البيان.
نص البيان:
مداهمة الأغوار
[ضدّ إفساد الشِّعر ]
(1)
صراع الشِّعر مع الشاعر، والعكس صحيح أيضاً، هو حالة فرادة استثنائية مكتملة ومستمرة. فرادة لا يتحملها سوى شعراء المنقلب الآخر وحدهم، وليس شعراء الابتذال اليومي والطنين الزائف. فرادة هائلة، مريرة، فاتنة، فظيعة، صامتة، وأبدية. إنها فرادة تشبه، مَنْ يعثر على بحر في صندوق قراصنةٍ أجلاف. إنه صراع لا تراق فيه الدماء، بل تولد من رحمه الحقيقة، الحقيقة الشِّعريّة. حقيقة ما لا يُرى، أو يُسمع، أو يكون له وجود ظاهر. حقيقة هذه الأصوات الضائعة، المتوارية، الخفية، بين ركام هذا الوجود. هذه الأصوات، أصوات الأشياء ذاتها، التي هي ليست بالمنفصلة عن صوت حاضنها الكوكبي الأكبر:الكون! فما تعرضه علينا القصيدة، بحسب أوكتافيو باث، لا نراه بأعيننا التي من لحم بل بأعين الروح. لأن الشِّعر يجعلنا نلمس ما لا يُلمس، ونستمع دوار السكون مغطياً مشهداً دمره السهاد.
هكذا مثلاً، استطاع فيلسوف ما قبل الميلاد الإغريقي فيثاغورس، وهو – بالمناسبة – أول من أطلق لفظة "كوسموس" (الكون) على العالم؛ اكتشاف العلاقات العدديّة للنوطات الموسيقية، عندما أكتشف "موسيقا الأفلاك" قبل ذلك. وهذه الموسيقا الفلكيّة، بحسب نظرية فيثاغورس ذاتها، تحدث عندما تتحرك الأجرام السماويّة في مداراتها الفضائية، بحيث تصدر أصواتاً خاصةً بكل كوكب من الكواكب، وتشكل بهذا ائتلافاً صوتياً منتظماً وموحداً ومتعدداً. ولعل هذا الإئتلاف الصوتي لموسيقا الأفلاك، قد اكتشف الهرامِسة القدماء في الإسكندريّة شيئاً مشابهاً له قبل فيثاغورس بكثير، وهو الذي تعلَّم في مراحله الأولى على أيديهم في الأساس، وذلك عندما تحدثوا عن نظرية "الترابط الموسيقي للأشياء" في الكون.
إن هاتين النظريتين الصوتيتين: موسيقا الأفلاك الفيثاغوريّة وموسيقا الأشياء الهِرْمِسيّة، وبعيداً عن ترجيعات نظرية الايقاع الكلاسيكيّة، تجعلنا كشعراء وكمهتمين بالفكر الشِّعريّ، اليوم، أن نعمل على توسيع قارات القصيدة وأن نضخ الدّم في أممية الشِّعر، وذلك بالمعنى الفيثاغوري والهرمسي للكلمة. ولعل هذا لن يتم، إلاّ عبر اصغائنا العميق لأصوات الوجود وانفتاحنا الشاسع على "الإيقاعات الكونيّة" الفريدة، واصطياد "الأصوات الشاردة" والضائعة في مسارب العالم. فالإيقاع الشِّعري بمفهومه الشمولي، بقدر ما هو " اتجاه" و"معنى" و "زمن أصلي" و"حضارة"؛ فهو من جهة أخرى ليس حِكْراً على أبناء الأرض وحدهم، ولا على كوكبنا الجميل والصغير وحده. ولعل هذا ما ينبغي علينا الالتفات إليه، من الآن فصاعداً، عندما نتحدث عن مستقبل الشِّعر وفرادته. فنحن وأينما اتجهنا وأدرنا رؤوسنا وارتحلنا بمخيلتنا، سنجد بأن هناك ملايين الإيقاعات الكونيّة التي تصدر عن منظومة الأجرام السماويّة أو من يدور في فلكها، أو تلك التي تسكن في الأشياء والموجودات، أو في تلك الإيقاعات الثاوية في طبقات السديم والمطلق والمجاهيل، أو في تلك المصطخبة في أعماقنا ذاتها. فللقمر مثلاً، إيقاعه التاريخي والأسطوري، والشَّمس أيضاً، وللنباتات والحيوانات، ولكلّ شيء آخر في هذا الوجود. لهذا حذرنا نيتشه، ومنذ أكثر من قرنين تقريباً، من فاجعة نضوب الإيقاعات الشِّعرية في داخلنا، حين قال: من ليس عنده الآن مائة إيقاع أراهن، أراهن أنه سيموت!
(2)
أضف إلى هذا، وإمعاناً في التوكيد؛ بأن الإيقاع مثله مثل الكلام، ليس حِكْراً على البشر وحدهم. لأن العالم، كما يقول مرسيا إلياد، يتكلم مع الإنسان أيضاً. إنه " يتكلم إلى الإنسان، بإيقاعاته وبطريقته الخاصة في الوجود، وبالبنى التي يظهر فيها". كما " يتكلم من تلقاء ذاته، عن أصله، في المقام الأول، وعن الحدّث الأولى الذي أتى بعده، إلى الوجود. لذلك يغدو واقعياً وحاملاً الدلالة والمعنى. إنه يلتقي مع الإنسان في المشاركة ب
يرى أن قصيدة النثر تتسيد المشهد الإبداعي العربي
تطمح الكتابة الشعرية إلى الدخول إلى عوالم وفضاءات تمتلئ بالقلق ذلك الاحساس المؤرق والذي يدفع بالمبدع إلى طرح أسئلته الخاصة والتي ربما لا يهدف من ورائها إلى إجابات مباشرة ويقينية بالنسبة لذاته المدركة لعالم موحش يمتلئ بالتناقضات والإخفاقات أو بالنسبة لمتلقٍ قد يرى في التجربة الشعرية المطروحة عليه مشروعاً لا يكتمل أبداً ولا يتحدد بهدف غائي.وهذا ما دفع أحد رواد مدرسة فرانكفورت النقدية وهو “تيوددر أدورنو” إلى تلمس الخلاص في الشعر بتحرير الإنسان من الاغتراب والتشيؤ ومن تسلط العقل بمعناه الأداتي والنفعي على الطبيعة ليتحقق الوعد بالسعادة والحقيقة الذاتية غير المزيفة، تلك الحقيقة الأصلية التي تعبر عن جوهر الكينونة، فلا بد للشاعر وفق “أدورنو” من ان يكتب وهو ممتلئ بالواقع، وان يتحسس صوته الذي يتراوح فيه العذاب والحلم ويغوص في ذاته ليتجاوزها ويشارك في ما هو إنساني ولم يتشوه بعد.
حوار: محمد إسماعيل زاهر
في أحد نصوص ديوان “أبعد من عدم” للشاعر أحمد منصور نتلمس المراوحة بين العذاب والحلم حيث يقول:
“ها هو ذا يطل من جديد
هذا الصباح المفخخ كعادته
يطل
متقلداً فأسه الذي يشبه الأيقونة
أو ربما كانت أيقونة على شكل
فأس”
يقول الشاعر هاشم المعلم معلقاً على تجربة أحمد منصور “اللافت في هذه التجربة هو هذه اللغة القاسية والضاربة إلى عمق السوداوية، إلى درجة الانصهار وتتدرج تلك النصوص - أبعد من عدم - إلى وتيرة عالية صاخبة، ثم تنحو إلى وتيرة هادئة لا تكاد أن تتلمس ما فيها من الشفافية المطلقة” ويعتبر الشاعر إبراهيم الملا تجربة منصور في “أبعد من عدم” حالة معبرة عن المشهد الشعري الحالي في الإمارات ويقول في دراسة له عن الديوان “يكشف حال الشعر هنا عن مجازات فردية أو “كانتونات” متناثرة، دليلها على كل حال صدور ديوان هنا أو فن طويل هناك أو مخطوطة شعرية في فترات مبعثرة، وهي نصوص تجميعية تبدو في الغالب وكأنها تضع بشاراتها في مهب الصدفة وغياب المشاريع الشخصية”.
تطرح الرؤى السابقة أسئلتها الخاصة والتي ذهبنا بها إلى الشاعر أحمد منصور وكان هذا الحوار:
في البداية نود الحديث عن مرحلة التكوين الشعري.. بمن تأثرت في كتابة الشعر؟
لا أعرف إن كان هناك من تأثرت به فعلاً في كتابة الشعر، لكني من دون شك أصبت باشعاعات العديد من الرواة والشعراء والفلاسفة أيضاً، فأنا لست سوى كل تلك التراكمات، لكني، أعمل جاهداً عندما آتي لنصي أن أفرغ ذاكرتي في إناء زجاجي وأنحيها جانباً، في البدايات وكأغلب الشعراء العرب، لم يتسن لي التفلت من سطوة الشعراء الكلاسيكيين إن جازت تسميتهم هكذا، فبعضهم كان متجاوزاً للكثير من الحداثيين وإن كانت قصائدهم ضاربة في الأزل، فكان للشعراء الصعاليك وقع خاص في ذائقتي الشعرية، وكنت حفظت أبياتا عديدة من لامية الشنفري وعروة بن الورد وتأبط شراً، وكانت تفتتنني حياتهم بقدر ربما يتجاوز افتتاني بشعرهم، ثم امرؤ القيس وزهير بن ابي سلمى، مروراً بأبي تمام وحاوي اللغة المتنبي وأبي فراس وغيرهم، كل تلك كانت تراكمات لكني في بداية انشغالي في عالم الشعر على صعيد الكتابة قرأت للعديد من الكتاب الفرنسيين من أمثال رامبو وإيلوارد ملارميه وبودلير وألن بوسكيه، كما قرأت بشغف كبير أنسى الحاج، وبول شاؤول وسركون بولص وأدونيس ووديع سعادة وبسام حجار وغيرهم.
يتكون المشهد الشعري في الإمارات اليوم من العديد من الأطياف الشعرية المتنوعة والمتعددة، فكيف تنظر إليه؟
المشهد الشعري الإماراتي يتشكل من أطياف متعددة المستويات والتوجهات والرؤى، وهناك أطياف مضيئة ومشعة من دون شك، إلا أن هناك أيضاً فجوات كبرى وغيابات ربما تكون محيرة للمهتمين بمراقبة هذا المشهد، وتبرز القصيدة الحرة، أو قصيدة النثر كما يحلو للبعض أن يسميها متسيدة للمشهد الشعري بجدارة من ناحية القيمة الإبداعية والثراء الدلالي والبنية الشعرية، إلا أنها أقل الأطياف قبولاً من قبل المؤسسات الرسمية راعية الإبداع وهنا لا يختلف المشهد الشعري الإماراتي عن نظيره العربي، ربما لا يميزه سوى مساحات الانقطاع الكبرى في النثر، وكما توجد في هذا المشهد تجارب شعرية متقدمة جداً ومشتبكة حياتياً مع الشعر، فإن هناك أيضاً العديد من التجارب غير المشغولة وغير المصقولة جيداً سواء ممن يطلقون على أنفسهم الرواد أو من الجيل الأحدث على الرغم من أنني لا أستسيغ كثيراً تسمية الجيل هذه فهي تدخلنا في إشكالات مفاهيمية وتاريخية.
البعض يرى أن الشعر لم يعبر عن التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً كما فعلت أشكال أدبية أخرى كالقصة والرواية فكيف تتعاطى مع هذا الرأي؟
علينا أولاً ألا نحصر الشعر في القصيدة أو في شكل بنائي معين، فذلك يتنافى مع حقيقة الشعر وكونيته، كما أن الشعر ليس تابعاً لهذه التحولات لكي يقوم بالتعبير عنها وهو ليس معنياً بمواكبتها من المنظور التسجيلي فمهمة الشاعر الأساسية هي النسف وإعادة البناء على نحو اكثر جمالية، ولا يمكننا القول إن هذه العملية تخلو من أثر الارتدادات المرتبطة بالمحيط الخارجي وتغيراته. كما أن الرواية والقصة تقومان أساساً على تشبعات لغوية وزمنية لا تح
ها هو ذا يطل من جديد
هذا الصباح، المفخخ كعادته
يطل،
متقلدا فاسه الذي يشبه الايقونه
او ربما،
كانت ايقونة على شكل فاس
فالضوء خافت هذا الصباح
وطريق المارة،
مفتون بالفراغ.
اما انا،
هذا المسكون بالرعشة،
كل ليلة اراني،
كمن يسرق دمه
وتغافله الاعضاء
كمن تحلم عظامه بالمقصله
ويبقى جسده
دون جسد.
هكذا اراني؛
خاليا من كل شيء
حتى احلامي، التي اشدها الي كل مرة
تدحرجت بعيدا كرقة زائفه
فلا المكان يوهمني بالعفة المرتقة
ولا الشرفات تضيء كفوانيس العربات
او كقبور الاثرياء.
اما لزمن، سدرة الفناء هذا
مسافر، نسي ابتلالع الشفق ولم يظمأ
مجوسي، يقرأ الحريق ولا يشتعل
حوذي، يجرجرنا على النتوءات ويبتسم.
ملخبط هذا الصباح,
كقبعة ترتدي رجلا من رأسه.










