الزمن بوصفه فضاءً وجدانياً لدى أحمد منصور
كتبهاأحمد منصور ، في 29 أبريل 2008 الساعة: 11:26 ص
أحمد منصور أحد شعراء قصيدة النثر الذين اجترحوا لها مضموناً مسايراً لزملاء بحثوا ومازالوا في قيمة الإنسان المعاصر المحكوم بقيم الآلة وضوابط تتشابه مع كولونيالية تتسلط بالجبر، وفتش أحمد منصور عن وهج الالم ومكايدته في ذات الإنسان المشنوق بهذا الجبروت وفي محاولته لتقديم بانوراما تشمل الداخل والحالة المعيشة في الظاهر، فكشف عن وعيه بالأسباب، ولكنه تعمق في نكأ الجرح وصب الملح الضافى بالألم على تجربة الإنسان في إطار المكان الشانق له والضاغط عليه، ومن مخطوطته قيد الطباعة سنرى بعض مداميك الفن وضوابطه وكذلك بعض المضامين في قصيدة أحمد منصور وسنتخذ من قصائده نماذج نبحث فيها عن بعض الاستجلاءات الفنية والمضمونية في تجربته:
عبدالفتاح صبري
النهار برمته/ كل هذه المقبرة.. كل هذا الحب/
دمعة على الرف/ اتكأت على جمرتك.. ومضيت/
هذه قراءة ضالة أعيد بها تفكيك نوايا القصيدة حين أعيد هطول مؤشراتها لنرى قصدية أخرى أو موازية في السياق المضموني في قصيدة أحمد منصور. وسأبدأ بقراءة القصيدة بدمج العنوان وبداية ونهاية كل قصيدة في أضفورة واحدة ولنرى المعنى الراشح من نص جديد أراه متماسكاً يفي ببعض مضمونيتها.
عنوان: “النهار برمته”
البداية: ها هو ذا يطل من جديد
النهاية: هكذا
أوهمني
الكولنيل
هذا النص الموازي أو المختزل للنص الأصلي يكشف للرائي مدى إمكانية الولوج إلى قصيدة النثر بقراءة أخرى ربما لا يكون الشاعر مسؤولاً عنها تماماً مثلما هو غير مسؤول في التلقي عن نصه بجغرافيته التي أطلقها علينا.. ولكن هذا التفكيك وإعادة اللصق وفق رؤية تراتبية تنبثق منها مفاتيح جديدة لفهم النص أو فهم ما يوده الشاعر أن يصلنا وفق رؤيتنا أو رؤيته.. وقد يفتح ذلك أسئلة عن التماسك الفكري والمضموني لدى القصيدة إن كانت هذه القراءة الاعتباطية ستفضي إلى سوية ما في النظر إلى هذه القصائد برمتها.
وفي هذا النص سنرى أن الحياة لا تتجدد وأن الجمود في الحراك التبديلي ثابت بمعنى أدق، النهار لا يحمل أي جديد ولا يطل بأي مفارقة ولكنْ هناك ايهام بالتغيير وإذا سحبنا ذلك على مرحلة ما لا تحمل تغييراً لصالحنا ولكن اعلام الحكم يوهمنا بأنه تم التغير للأصل والأحلى والأحسن.
إنها قراءة للفترة الكولونيالية التي حكمت ومازالت بصيغ مغايرة الأوطان والناس، والنص “النهار برمته” مستوحى من شخصية الكولونيل في رواية جابريل جارسيا ماركيز الشهيرة لا أحد يكاتب الكولونيل كما أظهر ذلك الشاعر أحمد منصور في نهاية القصيدة المذكورة، ومن مجمل النص سنرى محكية عن الإنسان المحكوم بضوابط صارمة باتجاه حتفه وأن كل شيء يسير وفق مشيئة هذا المتسلط على الإنسان وحتى على صيرورة الزمان والمكان.
ومن نص آخر
العنوان: كل هذه المقبرة
البداية: كجرم سماوي توهجنا
النهاية: شغف
القلب
بالطيران
وسنرى بالكيفية نفسها في نص “كل هذه المقبرة” هذا النص الجديد المركب وفق رؤية الاختزال وسنجد أنه مضمونياً يوحي بأن المكان مقبرة متسعة والمقبرة رمز للموت والعدم واللاحياة.. هذا العدم يوحي بالرفض وعدم الاتساق فيتوهج ويضطرم في بحثه نحو الخلاص والخروج من المكان بل والزمان وتوهج بالقلب نحو الانعتاق والطيران إلى خارج الحدود الزمكانية.
وفي النص الأصلي سنرى كيف أنه يحتفي بابراز بانوراما عن الإنسان والمكان والمحبطات والآمال والطموحات وكيف أن الإنسان شغوف بالانعتاق بحثاً عن الخير والحرية والأمل بعيداً عن كل الكوابح والمقيدات المادية والمعنوية وكل مايلوث المدينة الجديدة.
نص آخر
العنوان: “دمعة على الرف”
البداية: خجلاً
النهاية: ونموت مجدداً
كالضباب
وفي قصيدة “دمعة على الرف” سنرى في نصها المقترح والمختزل النهاية العدمية للإنسان القابع في أتون حركة الزمان والمكان، وكأن الإنسان دائماً مشروع مؤجل ونهايته بالموت لا تعني مفارقة الحياة ولكنه الموت الرمز رغم وضوح الحياة.
وفي النص الأصلي سنرى الفكرة نفسها بتفصيلات حركية وبانورامية تتناسل، لتعمق الفكرة… فكرة العدمية والموت في عز الحياة وأنه لا فائدة رغم الآمال المطروحة باتجاه إنارة الطريق.
وفي النص الأخير المقترح من قصيدة “اتكأت على جمرتك.. ومضيت”
سنكشف هذا النص
العنوان: “اتكأت على جمرتك.. ومضيت”
البداية: تضرب بمجدافك في الريح
النهاية: ثم يحنطونك في جارور
ومن النص السابق سنجد استكمال الشاعر لنفس النظرة للإنسان ومكابدته في ظل حياة تتخللها القسوة، ورهبة الخوف من حياة يضطرب فيها الإنسان بين أنواء وآلام وآمال.. وعبث البحث وقهر الألم وفي النهاية لا شيء سوى الموت، اتكأت على جمرتك ومضيت بآلامك تفتح دروباً نحو المستقبل الخلاص ولكن كمن يجدف في الريح بلا فائدة وفي نهاية التعب والمشوار الذي لم يتوج بتحقق الآمال ستموت وتحنط في جارور أي ستتجمد عند حدود ما يريدونه، هم، وسيقتلونك.
والنص الأصلي مكتنز بالروحية نفسها التي تجعل من الإنسان بل ومنك أن تلهث في العدم، في الهواء وآخرين يترصدونك ويجتهدون لوأدك ووأد أحلامك وآمالك وسيقضون عليك بالقوة والرصاصة وسينهون حياتك وأنت تتأملها، وأنت تبحث فيها عن نفسك وعن خلاصك وستكون النهاية هي الموت المحقق بواسطة هذه القوى القاسية التي تترصد الإنسان.
العنوان باب سيرة
يشكل العنوان عتبة أولى للولوج إلى النص، كما أنه سيفتح سيرة مختزلة للنص أو العمل محملاً بدلالته واشاراته الفاتحة تجاه الوعي بمفردات ومحمولات النص الموسوم، الأمر الذي سيجعلنا أمام قراءة أولية لما ينتوي الولوج فيه من تجسدات ومحكيات سواء كان العنوان متوازياً أو متضاداً في شكله المبثوث.. والزمن الميتافيزيقي الذي يبحثه منصور في نص “النهار برمته” يشير إلى هذه العلائق والتشابكات الحسية في المتن، وهو هنا يجسد اشكالية العلاقة مع الوجود والذات، الوجود بمعنى العالم الذي نحياه والذات الشاعرة في تجربتها.. إن شعرية العنوان ذات علاقة دلالية أيضاً بوظيفة العنوان. هذه البنية المحيلة إلى العمل ككل ليس كوظيفة اتصالية وحسب ولكن كعلاقة دالة برؤية وفلسفة الفكرة، وكأنه معادل مصغر ومبتسر ورمزياً ينوب عن النص في الاطلالة الأولى وإن كان لن يشيع التفاصيل الصغيرة التي ستتناسل من النص ككل وبالتالي يفتح العنوان “النهار برمته” ايحاءات التلقي الآمن للولوج إلى فهم أولي لحقيقة العلاقة مع المكان والعالم والذات. وارتباط العنوان هنا سيحيل إلى حركة الشعور والرؤية الشخصية للمكان من خلال الزمن المرئي أو المحسوس الذي يبتدره الشاعر. إنها العلاقة النفسية إذاً تجاه المكان المغلق بزمان يؤطره الشاعر ضمن رؤية حِسْبية تؤكد ليس على مدارته وحسب ولكن على نبضه وحيويته في شكل علاقة وجدانية مرتبطة بالمكان وبآليات الإحساس بالألم والفقد والقهر.
الزمن الميتافيزيقي بوصفه حالة شعورية
“النهار برمته” مدخل أولي يعني السخرية والتهكم والاستخفاف أيضاً بهذا النهار الزمن الميتافيزيقي وارتباطه بالمكان في ذات الوقت.
“النهار برمته”، بمعنى كل الأوقات ستكون هكذا ضيقة حاملة للألم متوحشة في المكان.. والنهار يبدأ من الصباح بالتأكيد.. ولكنه نهار يبدأ بإشكاليات قاهرة وصعبة
“ها هو ذا يطل من جديد
هذا الصباح المفخخ كعادته
يطل،
متقلداً فأسه الذي يشبه الأيقونة
أو ربما كانت أيقونة على شكل
فأس”،
ولنرى هذا الاستهلال الذي يدل على السأم من التكرار لنفس النهار
“ها هو ذا يطل من جديد”
إذاً هذه الاطلالة ليست جديدة، انه نفس النهار يعود مجدداً كأن النهارات كلها تتشابه وكلها موسومة بنفس الصفات والنعوت وكلها من السأم والملل والألم لأنه مفخخ ويؤكد أن كل النهارات واحدة “كعادته يطل” ويزيد في قتامة النهار وتوحشه حين يجعل من ضوئه فأساً في صورة بليغة.
“مقلداً فأسه الذي يشبه الأيقونة أو ربما كانت أيقونة على شكل فأس” هذا التماهي بين ضوء النهار وآلة حادة للقتل “الفأس” يستخدم دوماً كرمز لآلة قاتلة للإنسان وكأن الشاعر يجعل من النهار أداة للقتل، هذا التوحش الذي يراه الشاعر في النهار وضوئه لا بد أن يكون مرتبطاً بالمكان الذي يستقبل هذا النهار القادم.. لأن العبرة في توحش الزمن وقهره ليست متصلة بالزمن الميتافيزيقي فقط ولكنها من التلازم الزماكاني. والارتباط هنا يحيل إلى قبح المكان رغم أن الصور الشعرية المتواترة تبحث في الزمن ويؤكد ذلك في الصورة التالية:
“فالضوء خافت هذا الصباح
وطريق المارة،
مفتون بالفراغ”.
ويتمادى الشاعر في تهميش الزمان ونعته بما هو ليس فيه بالأساس، ولكن الإحساس الناجم عن تراكم ماديات المكان وآليات تنبثق من المكان أساساً فإنه ينعت الصباح بالبهوت والخفوت بعد أن نعته سابقاً بالمفخخ وبالفأس
ويربطة بهروب الناس وفراغ المكان من البشر هذا المكان المتلازم بالزمن ذاته المنعوت..
ثم ينطلق الشاعر من الزمان إلى الإنسان، إلى الذات ويصف ما يعانيه في الصورة الضد من النهار:
النهار مسكون بالألم والوجع والليل هو الصورة الأخرى للنهار.. الصورة الضد، سنرى أيضاً نفس الآلام التي تعتري الجسد والروح
“أما أنا،
هذا المسكون بالرعشة”
.. إلى أن يقول
“ويبقى جسده
دون جسد”.
ثم يعاود ربط الحالة بالزمن بوصفه كينونة قاتلة حد الفناء.. هذا النعت المباشر للزمن بأنه آلة الفناء
“أما الزمن سدرة الفناء هذا،
مسافر، نسي ابتلاع الشفق
ولم يظمأ” دلالة على تفصد الشاعر لفضح ما هو كامن في أغوار النص ولم يتكلم عنه صراحة.. إن البحث في الزمن عن شواهد الألم والقهر لعنصر آخر هو المكان
“ملخبط هذا الصباح
إلى أن يقول
الصمت وحده،
هذا المائل إلى السمرة
تمدد كشارع،
ينبح كلب
في آخره”.
إلى آخر هذه الصور التي يمكننا بها الكشف عن اعتوارات المكان ومدى هامشية الإنسان.. والتي تمكن الشاعر من توصيفها من خلال الزمان وبذلك حول أحمد منصور صورة الزمان بوصفه وعاء التجربة الإنسانية المعيشة وكشف به عن انفعالات الذات والإنسان.
بنية الاستعارة
بدت العلاقة بالأشياء من خلال العين الرائية أو من خلال تأسيس علاقات جديدة تمكنت قصيدة النثر من التميز بها وبالتالي فإن الشاعر يعيد ترتيب هذه العلاقة وفق سلطته ورؤيته الحسية ليحول الصور الجديدة إلى أدوات أو هامش إضافة إلى اختراق السائد ومحاولة خلق أحاسيس بصرية وحسية تتواكب مع رؤية جمالية تتشكل وفق هذه الرؤية الجديدة تساندها لغة تتمكن من التعبير عن هذه المكنونات الحسية التي يبتدعها الشاعر ويخلقها ليحلق في أجواء الألم أو الغربة أو الوحدة أو حتى في مكابدة الأجمل، وبالتالي هذه التبدلات في صياغة العلائق والصور جعلت أيضاً من اللغة أداة مطواعة لتؤدي دوراً مغايراً لدلاتها الأصلية المجردة وباتت تؤدي دوراً إيجابياً وسيميائياً مغايراً ومسانداً لحالة الخلق الجديدة التي يبنيها شاعر الحداثة أو قصيدة النثر.
مجرى الكتابة
إن الدلالات المستنبتة تشير إلى القهر.. والعزلة والغربة والضياع. ليحيلنا في نهاية القصيدة إلى السبب الحقيقي لكل هذه المعاناة البشرية والإنسانية التي يدهشنا بسحب الأسباب كلها إلى الزمن الكولونيالي وكأنه يود اعلامنا أن اشكالياتنا الإنسانية بما فيها جفاف الروح تنبع من قهر السلطة ومن بطش التحكم الذي نخضع له بحكم وجودنا في زمن تؤطره سلطة كما تراه ووفق رؤيتها. وبالتالي فإننا يمكننا البحث في الزمان الميتافيزيقي بوصفه فضاء وجدانياً حين تفصح علاقة الشاعر مع الزمان عن علاقة وجدانية وتجربة إنسانية مشبعة بالألم المنبثق من شكل المكان الذي يجري فيه الزمان ويتوسل الشاعر بالزمان لاختراق شكل المكان والبحث في أطره الحياتية القاسية التي يكابد منها تجربته الخاصة.
العلاقة بالزمن
ينتمي أحمد منصور إلى كتّاب قصيدة النثر وهؤلاء يؤسسون في علاقتهم بالقصيدة علاقة أخرى متوازية مع الذات والعالم وبالتالي كانت القصيدة مطية للتعبير عن الحالات الشعورية وبث اشعاعات العزلة والوحشة والغربة في عالم أصبح أكثر وحشية تجاه الإنسان.. ولذلك سنرى بنية المكان تجليا لعلاقة الإنسان بالزمن سواء كان الزمن الفني أو زمن التجربة.. أو الزمن الذي يعني هذا العالم الآن بكل توحشاته وعمق تأثيره في الإنسان بوصفه بشراً يمتلك مشاعر وأحساسيس يرى بها هذا العالم الذي أصبح للخاصة.. وأصبح لمن يمتلك.. إن قوة رأس المال الدافعة لعنصر الزمن في اتجاه التغريب والمكان باتجاه العزل والفرز للإنسان، سنرى هذا الزمن الميتافيزيقي حاضراً بقوة في قصيدة أحمد منصور لاسيما الموسومة “النهار برمته” والتي سنأخذها أنموذجا لقراءة الزمن.
جريدة الخليج - الخليج الثقافي 24-2-2007
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























