شعراء إماراتيون: هناك دائما ما هو أبعد لدى محمود درويش

كتبهاأحمد منصور ، في 21 أغسطس 2008 الساعة: 23:32 م


  الأربعاء 20 أغسطس 2008  

إبراهيم الملا:

جريدة الإتحاد

 

يعبر الشاعر الإماراتي أحمد منصور عن قسوة الغياب التي رافقت رحيل محمود درويش قائلا: ”لقد فاجأنا الشاعر محمود درويش (كما فجعنا) حينما قرر أن يغامر ويموت في تلك اللحظة تحديدا، لقد تردد كثيرا قبل أن يتخذ القرار الحاسم بموته، ليس حبا في الموت، بل لأن الحياة لم تعد تستأهل العيش، وكانت مغريات الدخول في عالم الموت المذهل أشد من أن تقاوم بالنسبة إليه. لقد تردد مرارا على عتبة الموت، لكنه لم يجتزها، وحاول مرارا إغراء الموت باجتيازها، تارة بالسجائر، وتارة أخرى باستفزازه عن طريق الأسئلة على نحو قاس؛ فقد علق على طرف الخيط قصائد شتى ليطرق ذلك القاتل قلبه، إلا أن ذلك الجهم المريب، لم يشأ أن يجتاز العتبة هو الآخر في لعبة التجاذبات تلك، فهو ليس كما نظن قدر يعبر هكذا مغمض العينين!

لقد عاش درويش تجربة الموت، كما يقول، ورأى خلالها الكثير، كان يريد الموت ”أزرق مثل نجوم تسيل من السقف”، لكنه عندما يأس من قدوم الموت، قرر في لحظة حاسمة أن يجتاز تلك العتبة ويذهب إليه مباشرة، عن طريق القلب هذه المرة، عل ذلك يفتح باب الود. لقد قرر في لحظة حاسمة أن يترك كل شيء خلفه ويخوض غمار تجربة جديدة؛ تجربة متقدمة في الموت. لقد تغلب على كل شي، وصعد السلم إلى أقصى درجة ولم يلتفت، ترك حنين أمه وخبزها، ترك دموع شقيقته وفزعها الغامض، ترك الإخوة الأعداء يتناحرون، ومضي إلى غواية قصيدة جديدة لم يفلح الإيقاع باستدراجها.

ويضيف منصور: ”نعم كانت الرهبة كبيرة، لكنها تفتت في لحظة الإنعتاق القصوى، ولا شيء يغري الآن بالعودة. يقبع هو الآن هناك بشغف اكتشاف الكل في لحظة واحدة، تماما كما يفعل الأطفال عند بداية الإدراك. كان هناك دائما ما هو أبعد لدى درويش، أبعد من كل شيء وأبعد مما هو أبعد من كل شيء، فهناك ما هو أبعد من زهر اللوز، وأبعد من الكون، وأبعد من السؤال وأبعد من الشكل وأبعد من الموت بمعناه الفيزيقي والميتافيزيقي. كان يقول إنه ينحاز إلى الحياة كشاعر، لكنه لم يغفل الموت، بل ذهب إلى عمق سؤاله في ”جدارية” رأى فيها أكثر مما روى، رحلت إذا، ولم تفكر بالأحصنة الوحيدة يا درويش، ألم تفكر بنا عندما قفزت إلى هناك حتى؟ لم هو قاس إلى هذا الحد إغواء التجربة هذا؟ ألم تستطع الصبر قليلا؟ أليس هناك من قصيدة حسنى يستجيب الموت إليها؟ كان سيأتي لا محالة يا درويش، فلم تعجلت وذهبت إلى هناك حاملا كل ذلك الكم من الشجاعة والقسوة؟ لقد قسوت علينا مرارا، لكنك هذه المرة أكثر قسوة، وأبعد”.

عبدالله عبدالوهاب: فصول تتمزق

أما الشاعر الإماراتي عبدالله عبدالوهاب فيقول: ”ما يحدث هنا يحدث هناك، وما يحدث هناك يحدث هنا، في نفس اللحظة، والدقيقة والساعة، في نفس اليوم والشهر والسنة، ألا هو تكرار موت الشعراء في زمن يفتقد الشعر كثيرا، فكان نبأ وفاة الشاعر الكبير محمود درويش أشبه بكارثة، لا أدري لماذا وضعت أصبعي على أزرار التلفاز، كي أستمع لنبأ وفاته وأقول: حتما الموت سوف يقبض علينا الواحد تلو الآخر، وهو من يقرر ويقطع حبل الود مع الشعر والحياة، أما الريح فسوف تكنس ما تركته الأعوام، ولكن وعندما يموت شخص في قامة محمود درويش فإن على الربيع أن يتأخر، وعلى المطر أن يتأخر، وعندما يموت الشاعر تتمزق الفصول والألوان والمواسم، ويطغى الأسود على بهجة الشعراء الآخرين، والعشاق الآخرين، والمناضلين السريين في محراب صمتهم العريق.

الشاعر محمود درويش أستاذ علّم الموت أبجدية الحياة، وحول مفردات الرحيل والنحيب والهجرة والشتات وتقنيات العدو في التنكيل والإقصاء إلى قاموس شعري أنيق وحافل بالتحدي والرفض والمجابهة، فكانت الكلمة هي مفتتح المقاومة، وكانت المقاومة الروحية هي الأشد تأثيرا على العدو من المقاومة الجسدية، والشعر وحده من يكتب طفولة الأرض، ومحمود درويش كتب سيرة الأرض كأبهى ما يكون، وعاد إلى ذات الأرض كي يتحول جسده إلى جذع زيتون وإلى هديل حمام وإلى أغنية هادئة تروض عطش الريح، وتوسع لنا فسحة الأمل!”

أحمد العسم: الألم المضاف

ويرى الشاعر الإماراتي أحمد العسم: إن الحياة تزخر بأشياء لا نلتفت إليها جيداً، إلا أن الموت يعير انتباهنا إليها ويحرضنا على ديمومة الاستيقاظ من غفوتنا الطويلة المدى ويضيف العسم: ”موت الشاعر محمود درويش هو الألم المضاف إلى الألم الآخر الذي يعيشه الشاعر من هموم وطنية وإنسانية وحياتية.. و”موت الشاعر” هو انكسار لكل شيء جميل رآه الشاعر، ومحمود درويش هو من هؤلاء الشعراء الذين سيتركون فراغاً كبيراً من الصعب تعويضه.. فمحمود درويش الذي دلنا على العميق والمختلف في هذه الحياة، هو أيضاً الذي أشار علينا بأن لا نهمل ما لا نراه فيها وفينا!

إن موت الشاعر، هو فقد للمعنى الحقيقي لما هو باهر وأصيل في الطبيعة المتبدلة للكون والوجود. رحم الله درويش.. الذي ستفتقده القلوب التي أضاء لها بعناوين شعرية كبيرة، وستفتقده القضية التي كان أحد رموزها. محمود درويش: بندقية، قالت كلمتها ومضت!”.

عبدالله السبب: الحصان الوحيد

أما الشعر الإماراتي عبدالله السبب فيقول: ”حين يترجل شاعر عربي كبير مثل محمود درويش عن حصانه ليتركه وحيداً إلا من الشعر والنثر والنصر على الألم وعلى مقتفي أثر الفراشات في حقول الزيتون، فذلك أن وصية يمهرها الراحل بنبض قلبه وشعره وتراب وطنه المتأجج في أوردتنا جميعاً وفي مخيلات بنات أفكارنا وفي قصائدنا الرابضة في الوعي أو الراكضة في اللاوعي.. وعلى ذلك، علينا ـ نحن المعنيين بالكتابة ـ أن نعي تماماً كيفية الالتفات إلى تلك الوصية بحرص وحذر شديدين! تلك الوصية التي نصت بنودها على ثلاثة محاور: حرية الحوار مع تمثال الحرية، ومحاولة العثور على طين فلسطين، والإبقاء على حياة الشعر وعدم سفك دمه كي لا تضيع هيبته بين فنون الأدب الأخرى والتي لا نقلل من شأنها جميعاً.. لكن، ولأننا متورطون جميعاً ـ بما فينا الرواة والمسرحيون والكتّاب ـ متورطون مع الشعر بشكله المطلق ومع محمود درويش بصفة خاصة، ومؤتمنون على وصيته وقصيدته وحصانه وعلى الصهيل الفلسطيني وعلى عواصم ثقافتنا العربية، ومؤتمنون على الشعر وعلى ألق القصيدة وعلى قلقها القابل للاشتعال.. فإنه لزاماً علينا معانقة تلك الوصية، ونوصي أنفسنا وأنفاسنا بها خيراً!! نعم.. رحم الله محمود درويش: الذي عاش محموداً، ومات محموداً، وخلد القضية في الشعر الذي نصّبه أميراً مراً على الألم وعلى الجرح وعلى الحزن، كما لو أن أبا الطيب المتنبي أورثه مجد القصيدة وجدلها!!

أجل.. عاش محمود درويش في كفتي ميزان الشعر العربي: كفة أبو الطيب المتنبي في مقولته الخالدة في الشعر العربي: (الخيل، والليل، والبيداء تعرفني.. والسيف، والرمح، والقرطاس، والقلم!)، وفي كفة أبو فراس الحمداني بشرف حكمتها وعراقة مفرداتها: (ونحن أناس لا توسط عندنا.. لنا الصدر، دون العالمين، أو القبر!) وقد كان له الصدر، وكان له القبر، بعد أن خبره القرطاس والقلم والحصان والليالي والنهارات والمطارات والأمطار والأمصار!

نم، أيها الشاعر الدرويش.. نم وأنت العائد ـ كما كتبت على أوراق الزيتون ـ في كفن:

”يحكون في بلادنا يحكون في شجن عن صاحبي الذي مضى وعاد في كفن!”.

ظبية خميس: مقاومة القبح وفي شهادة لها حول هذا الرحيل المرّ تقول الشاعرة الإماراتية المقيمة في القاهرة ظبية خميس: ”الشعراء والأدباء وأهل الحق يتحركون في عالم من الحرائق والخرائب والدمار ويسيلون أرواحهم بحثا عن الحق والخير والجمال، ومحمود درويش هو أحدهم يمشي مع الماغوط ومي غصوب ونزار قباني وعبدالوهاب المسيري ونجيب محفوظ وعبدالرحمن منيف وفاطمة إسماعيل ومحمد عودة، وغيرهم الكثير ممن فقدناهم، غير أنهم لم يفقدونا، لقد تركوا بصماتهم على أرواحنا وأفكارنا وأحلامنا، وسوف تتغذى أجيال جديدة من زراعة نبتها (الجديد/ القديم) المتصل بالمقاومة: مقاومة القبح والشرور، والانتهاك الشرس لطمأنينة الإنسان”.

هاشم المعلم: تمائم وتعاويذ

وفي شهادة سريعة ومكثفة يقول الشاعر الإماراتي هاشم المعلم: ”لم يذهب محمود درويش ليرمي جنود الاحتلال بالحجر، لأن كلماته كانت تخترق الجدار العازل، وتربك القابعين خلف هذا السور الهائل والمشيد على إرث طويل من الدم والدموع، كان المقاوم الفلسطيني يتغذى من أشعار درويش ويتعاطاها بقدسية بالغة، فكانت قصائده أشبه بتمائم وتعاويذ تحصن الروح وتنعشها، كانت قصائده وقودا للمناضلين والأحرار، رغم أنها لا تخلف بنادق أو أسلحة، بل كلمات خالدة ومنتصرة على بؤس العالم، هكذا أخيرا ترجل محمود درويش وترك الصهيل ممتدا حتى آخر ضفاف الحرية”.

http://www.alittihad.ae/details.php?id=35004

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر