لبنان… المفتون بالجمال والمنذور للحرب
كتبهاأحمد منصور ، في 12 مايو 2008 الساعة: 04:10 ص
كانت بيروت أحد احلامي التي قفزت قبل عقد من الزمن، كنت ما أزال طالبا جاء ليقضي فسحة بين فصلين دراسيين، تحمل صديقي نفقات التذكرة وحملت معي مبلغا زهيدا من المال، كان بمثابة كل ما أملك وكل ما استطعت الحصول عليه، كان المال الذي لدينا بالكاد يكفي للسكن لمدة أسبوع في نزل مرصع بالنجوم في بيروت، فآثرنا الارتقاء الى مدينة “عاليه” لنحظى بسكن رخيص يؤمن لنا أطول مدة للبقاء، وأوهمنا أنفسنا أن النجوم عندما تنزل على الارض فإنها لا تجلب إلا الحريق، ولا تهادن إلا الجنرالات وتصبح قاسية كإنسان الحروب.
البجعة البيضاء
كنت دائما أتخوف الكتابة عن الحب وعن الحرب، وأكاد أفعل هذه المرة، فالحب والحرب يجتمعان الآن في داخلي، وفي داخلي تلهج بيروت وحيدة كبجعة بيضاء في محيط أسود. العاطفة تتسرب إلي وتكاد تشقني من النصف بينما يعبر روحي حبل الكتابة المعلق من دون عصا التوازن، أيهما أغالب، عاطفتي التي خذلتني كثيرا كلما أحببت أم أصابعي التي خانتي أكثر كلما فرغت من حب؟ فشلت هذه المرة مجددا في تحديد خياري، فدفعت بالاثنين معا، وليكن ما يكن.ذاكرتي حسمت أمرها ولم تنتظر؛ وصلت الى هناك وأخذت تتجول في سهوب لبنان كبهيمة سائبة.
عندما وصلت هناك، كانت الحرب الأهلية قد حطت أوزارها للتو، وللتو أيضا كانت إسرائيل قد ارتكبت مجزرة قانا، وكان دم الاطفال القتلى دافئا كجمر فقد بريقه للتو بينما بقي وهجه يخالط المجرات البعيدة.
وقبل ذلك ببضعة أعوام، كان العرب قد اجترحوا عملية السلام التي سميت اتفاقية أوسلو وجاءت بعدها “أسلوات” جديدة ومبادرات عديدة اطلقت كلها كحراب عمياء، لكنها، تساقطت، وبشكل دقيق، في بؤرة اللاجدوى، حيث لا شريك يمد يديه للسلام سوى النية المبيتة للقتل.
هواجس وأفكار
ذهبت الى هناك حاملا معي القليل من المتاع والمال، والكثير من الهواجس والأفكار؛ فحلم بيروت ها هو يتجسد رغم مناوأته كل تلك السنوات الفائتة، لم أكن أعرف بالضبط ما أريد، ولم تكن عدم المعرفة تقلقني أو حتى تخز فضولي بوبر جلدها الخشن، كنت آنذاك مستمرئاً فكرة اللحظة، كنت أقذفها كالنرد في كل اتجاه، فاتبعها ولا نصل، كان رأسي يضج بكل شيء، وكان لكل شيء على حده، ان يستفرد بمساحة من الزمن تضاهي فترة مكوثي بأكملها، كنت أشعر عند نهاية كل يوم، أن الزمن بشكله الحالي غير كاف في بلد كهذا، كان لزاما على الألم ان يفر كجرد صغير الى قبو سحيق؛ قبو يقود الى هاوية في نسيج الزمن، لم يكن هناك ما يريب سوى الجمال بسطوته الساحرة؛ كيف لكل شيء ان يكون جميلا الى هذا الحد؛ هكذا تساءلت عندما جلست على الشرفة المطلة على بيروت مساء وكانت “لغطيطه” (أو سحابة الندى) تنزلق من أعالي الجبال كعاشق مخلوب يتسلل الى خيمة فتاته الغجرية مقتفيا ظفائرها الممدودة الى أقاصي الوله.؛ لا بد انها تنهدات المحبين من يجلب كل ذلك البلور من مكامنه.
في الصباح المتأخر على الأغلب، كنت أجر نعاسي الى الحمام المشترك للنزل، كان صاحبي يستفيق قبلي على الدوام ليحظى بشيء من الماء الدافئ ولذة الصبحية الباكرة كما يقول، أما أنا، فكنت أماطل الصحوة وأندم كل يوم لاحقا، كنت استفيق على مهل مثقلا بكراكيب النعاس الذي ادفع بوسواسه في لحظة حاسمة تحت قطرات الماء البارد حتى يفر كشيطان مربد. لم يكن نزلنا نظاميا، ولم يكن فيه ما يطبخ او يقدم كوجبات يمكن للمرء الاعتماد عليها او على وجودها، وفي الاوقات التي يوجد فها ما يؤكل، لم يكن ذلك يتعدى طبقا من الفول والزيت وبعضا من الخبز، وفي بعض الاحيان، القليل من البيض المسلوق أو المقلي، كل تلك الوجبات لم تكن سوى اجتهادات شخصية من حارس النزل؛ ذلك الحارس الذي يتحول الى عاشق في المساء، بعد ان يكون قد تسلل الى غرفة احد النزلاء المقيمين ويستفرد بما تبقى،ليشعل مساءه مع ذاته الأخرى.
أنا وصاحبي كنّا نتتبع إشارات فلكية في تخطيط تحركاتنا اليومية؛ كنّا لا نعرف وقت خروجنا او دخولنا، ولم نكن نعرف حتى أين سينتهي بنا مطاف اليوم وأين سننام أو ماذا سنأكل، لم يكن ذلك الامر يقلقنا مطلقا؛ فحتما كنا سنلتقي ببستان وجداول ماء أو نهر في طريقنا، كانت الطرق الجبلية ملتوية على نفسها كحلزون كسول، وكانت أشجار البلوط تراقب المارة وتصطحبهم عبر الممرات الجبلية الضيقة، وفي طريقنا الى “إهدن” كنّا على وشك أن نضل الطريق لولا بعض شجرات الأرز اللواتي همسن لنا بالاتجاه الذي يتوجب علينا ان نسلكه، عندما وصلنا الى هناك؛ إلى “إهدن”؛ عروس الشمال القابعة في أعالي الجبال، ترجلت ونظرت الى سفح الجبل المنحدر الى الاسفل، كانت أحجاره من الاشجار، أشجار البلوط على الاغلب، كان منظرها يغري بالسقوط من على الجبل؛ فالسقوط هناك لابد وأنه يمنح الخلود، كنت أرى من موقعي الجزائر والخلجان والاسماك الملونة في الاسفل، وكنت أرى الصياد الفقير وعفريت المصباح الذي دق برجله في الارض فنفذ فيها، وإذ شدهت بكل ذلك، خرجت الساحرة من بوابة القصر المطمور في الجبل، وأشارت الى الاشياء وتمتمت، فاستقامت بصورتها الأولى، فغدت الجزائر مدنا بيضاء كجليد قمم الجبال المتسلقة الى اعلى السحاب، وغدت الخلجان حقولاً خضراء على مد البصر، والاسماك تحولت الى بشر. هيئ لي بعد ان استرددت بصري، أن الف ليلة وليلة تجسدت هناك على التو.
في أيامنا الاولى في لبنان، مررنا بالقرب من الخط الفاصل من بيروت الشرقية والغربية، كان الرصاص عالقا في الهواء، وكان صوته لايزال يزنّ في الاذان والاذهان، كانت الجدران منهوشة كجيف في أدغال إفريقيا، ابنية بلا واجهات او جدران، عشش في بعضها بشر وفي بعضها الآخر طيور سائبة. كنت ساهما اراقب تلك المشاهد وهي تمر بي، ولم اكد اتنبه الى وجود صاحبي إلى جانبي إلا عندما مد يده من نافذة السيارة وقطف رصاصة من الهواء، ثم قال “ميم طاء”، بالطبع لم افهم ما يعني ذلك، ولم أكن بحالة تؤهلني للاستفسار، التفت الي بعدها وأعطاني الرصاصة، تحسستها بأطراف أصابعي، وقلت لنفسي، لابد وأنها اخترقت رأس أحدهم؛ فآثار الفكرة تبدو جلية على جنباتها.
الحلاق “فطين”
في الايام التي كنّا نعود فيها باكرا الى نزلنا، نخرج في جولات استكشافية صغيرة في المحيط المتاخم لنزلنا في “عاليه”، كنا على الدوام نلتقي بالحلاق الاحدب “فطين” وهو يجلس على كرسيه الخشبي على ناصية الطريق امام المحل، يجلس مراقبا رؤوس المارة في الخارج وخواء محله في الداخل، كان ودودا وقليل الكلام، إلا انه كان في بعض المرات يدعو بعض الاشخاص الذين يتوقفون معه في أحاديث عابرة الى محله، “تعا أرتب لك شعراتك شوي”؛ هكذا ناداني ذات مرة، فلم يكن مني إلا ان استسلمت لدعوته تلك بعد أن شاهدت حالة الكساد التي كانت تمر على محله ذهابا وإيابا كل يوم، قلت في داخلي، إذ لم أقبل هذه الدعوة، فحتما ستصاب أصابعه بالصدأ وسأكون وحدي المسؤول عن ذلك. على مقربة من هناك أيضا، كانت الاستراحة الاشهر في عاليه - ساحة الطرب الاصيل التي غنت فيها ام كلثوم وأباطرة الطرب الجميل، أخذتنا أقدامنا الى هناك، كانت الموسيقا تنتشر كرائحة الحبق في الأجواء، و”الدبكة” كانت ترجّ أمواج المتوسط على الساحل الشرقي، وكان صوت فيروز يتسرب الى الغيوم فتهطل منها ملائكة صغار تحفّ المدن والقرى والجبال، كل شيء كان ينصت إليها عندما تغني؛ المياه والأشجار والطيور والجبال والغيوم والسماء، وحدها المدافع كانت تتعنت أيام الحرب عن الإصغاء.
خلال أسابيع كنا قد “برمنا” جزءا كبيرا من لبنان، مررنا على جونيه وطرابلس وبعبدا وبحمدون وبرمانة وزحلة وشتورة والبقاع وبعلبك ثم جنوبا الى صيدا وصور واقتربنا من الأرض الجنوبية المحتلة آنذاك، صاحبنا أحد الجنوبيين، أشار بيده الى أبراج المراقبة التي نصبها العدو، قال لنا، “إنهم يراقبوننا الآن بمناظيرهم، أين سيذهب هؤلاء الجبناء من ضربات المقاومة، حتما ستنال منهم”. لابد وأنه أحد المنتمين للمقاومة، كان يتحدث بثقة كبيرة ويعرف أنواع الطائرات التي تحلق، وجهاتها من صوتها، كما أن له سواعد قوية يبدو انها تدربت جيدا على حمل السلاح. قضينا تلك الليلة في ضيافة عائلة في الجنوب، لم نهنأ بالنوم ليلتها؛ فمرافقنا البيروتي الذي رافقنا من هناك لم يكن قد وضع رحال ذاكرة الحرب بعد، كان يتوجس من أي صوت مريب أو غير مألوف، وكان يرى بين الغفوة والنوم أن الكروم تحولت الى قنابل عنقودية، وأن براغيث الحقل التي تسللت الينا مقاتلات جوية، وأن خيال الأشجار المتحرك في الخارج ليس سوى ظل قاتل مأجور.
أنا كنت أنصت الى صوت الوديان البعيدة وحديث الداليات القريب بينما كان رأسي يضج باستفهامات كبيرة حول تلك الدولة القاتلة خلف الجنوب.
بعد ما يقارب الاربع سنوات من تلك الزيارة، تحققت نبوءة مرافقنا الجنوبي ذاك الذي خلته مقاوما؛ لقد دحر الاحتلال مهزوما من الجنوب تحت وطأة المقاومة ذات النفس الطويل، لقد تراجع خائبا وجر معه شهيته المفتوحة للقتل وحقده الكبير؛ ذلك الحقد الذي سيلاحقه لمدة سنوات مقبلة وربما دهور ستأتي، فر ولم يترك خلفه سوى حقول مديدة من الالغام وأبراج المراقبة وبعض القاذورات.
ذاكرة الموت
لم تكن ذاكرة الموت لتغيب عن لبنان طويلا، فقد كان على لقاء معها بعد سنوات، ولم تكن تلك الهزيمة التي لحقت بالعدو المعتدي لتمر هكذا بسلام، ولم تكن شهية القتل لديه لتهنأ بما حصد من أرواح وبما ارتكب من مجازر، فها هو يعود مجددا إلى لبنان ليمارس شهوة القتل التي فطر عليها، يعود أكثر شراسة وحقدا، يعود مدعوما بأكثر مما كان، ما يعبر حقول الجنوب الآن ليست براغيث الحقل، والأصوات التي تدوي ليست للكروم، والخيالات المتحركة ليست سوى لأبنية تتداعى تحت القصف.
ها أنا أصغي من هنا، من بلدي في البعيد، كما كنت أفعل كل مرة عندما يشقني الحنين، قبل أسابيع فقط، كنت أرى وأسمع من هنا كل ما رأيته وسمعته هناك، لكني الآن، لا أسمع ولا أرى، لا أرى قميصي الذي نسيته هناك عند قلعة موسى، ولا أرى اسم حبيبتي الذي حفرته بأظافري على كل أرزة، لا أسمع صوت الوديان ولا حديث الدوالي، ولا أسمع ارتطام جسدي بماء الليطاني، لا أسمع قهقهات الصبايا في الغرف المجاورة في النزل، وصوت الحلاق الأحدب تلاشى مع جسده في التراب، وأثار اقدامي التي تركتها ليستدل بها عابروا الليل سحقتها المجنزرات، والشمعة التي أشعلتها للعشاق على حافة النهر أحرقتها قنابل الفسفور، وصلواتي التي نثرتها في كل بقعة لم تدفع بالموت الى الهاوية، ولم تتحول البجعة المسحورة الى أميرة، ولم تحل المحيط الاسود الى قصر السلطان، ولم تجعل النار بردا وسلاما على الأرواح الصغيرة في حقول التين.
كيف لي أن أهنأ بنومة هذه المرة حتى، ليس بسبب مرافقنا البيروتي هذه المرة، وانا لست في الجنوب، لكنني الآن أقلب ذاكرة شوكية تشعبت في القلب؛ فليس أطفال قانا وحدهم من يلهون مع الملائكة في القبور، فقد انضمت إليهم قوافل كبيرة بينما ضل قاتلوهم يمسحون فوهات مدافعهم بدم بارد ويرددون “لماذا يكرهوننا؟؟.
(نشرت في الخليج الثقافي بتاريخ 31-8-2006)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























