الخليج الثقافي- السبت 13-12-2008
جهاد هديب
يرد التعريف، أو التوصيف التالي في الويكبيديا العربية للمدينة وفقا للمعنى الاجتماعي للكلمة: “المدينة هي مستوطنة حضرية ذات كثافة سكانية كبيرة ولها أهمية معينة تميزها عن المستوطنات الأخرى. يختلف تعريف المدينة من مكان إلى آخر ومن وجهة نظر إلى أخرى. في العصر الحديث قامت العديد من الدول بوضع شروط معينة لتحديد ما إذا كانت المستوطنة مدينة أم لا”.
غير أن هذا التوصيف يبدو خارجيا تماما إذ يغيب عنه أي ذكر للسيرورة التاريخية للتحولات الاجتماعية وأثرها في الفرد المحض، والمقصود هنا بالفرد المحض أو بالأحرى إحساس الشخص بفرديته او فردية، وبأبسط التعابير، بحيث يمكن القول إن فردية الفرد تعني من ضمن ما تعنيه، توفّر المقدرة لدى الفرد، في نطاق جغرافيا السياسية والاجتماعية، على أن يحقق تصورا عن ذاته بعيدا عن “ذات” الجماعة التي ينتسب إليها، وليس من الضروري أن يكون هذا التصور نقيضا أو هدّاما أو منشقا أو حتى متصالحا. أيضا، وبوسع هذا الفرد التعبير عن ذات تخصه هو إبداعيا وفقا لتأثره بكل الأشياء الحية والجامدة المتعينة في المجال المحيط به، بما يعنيه ذلك من إعادة إنتاج المكان الذي هو حاضنة تلك الأشياء الحية والجامدة، ولو تخييليا أو تأويليا.
ربما يصح هذا الكلام على المدينة في الامارات بوصفها مكانا اجتماعيا تاريخيا و”حديثا” لكنْ، ثمة الكثير من العزلة المرتبطة مباشرة بالمكان والمؤثرة في الصنيع الابداعي للفرد والتي شعر بها الجميع والتي تأتي غالبا من اتجاهين: اللغة، والتنوع العمراني الذي “يحدث” باستمرار ويحايث جملة التغيرات الاجتماعية التي يسببها التنوع الاجتماعي، لجهة اللغة، ولأسباب اقتصادية محضة، فإن المدينة في دولة الامارات، غالبا، استقطبت 156 قومية وقرابة المئتين من الجنسيات في العالم، ما يعني أن هناك على الأقل وابلاً من الألسنة يجاور هذا التطاول كله في العمران الذي لا يدرك المرء نهاية له.
أي أن اللغة هنا هي ليست اللغة ذاتها التي ينتج بها الفرد المحض نصه، بل هي لغة إجرائية بامتياز ولا علاقة لها بالمخيلة أو الذاكرة الفردية التي هي أداة إنتاج النص في المدينة هنا. وبالفعل، فإن المكان في أغلب المدن الاماراتية، بوصفه عمرانا بشريا أهليا، هو مكان كوزموبوليتي ينطوي على ألسنة كثيرة وأعراق كثيرة بمرجعيات ثقافية شديدة الغنى والتنوع.
ولجهة التنوع العمراني، فإن الفرد الذي يمشي على قدميه في الشارع هو ذاته الذي يقطن في شقة طابقية أيضا، أي أن قدميه وفقا للمعطيات ذكرها سوف لن تمسّ الأرض، منذ أن ينغلق عليه المصعد بفلقتي بوابته، ثم دخوله إلى حيّز مكاني شديد الخصوصية يجعله يتعامل مع كل ما هو خارج عبر وسائط تُحدث نوع من الفُرقة في الاحتكاك الاجتماعي المباشر، ما يؤدي بدوره إلى إنتاج أفكار تفضي إلى أن يصبح ذلك الذي يتعامل معه الفرد من خلال تلك الوسائط الجامدة نوعاً من “الآخر” بالنسبة إليه.
إنتاج الأفكار
إن من بين ما يعنيه، أو يفضي إليه ذلك هو أن الفرد ينتج أفكاره في معتزله عن العالم الخارجي وبمعزل عن الاحتكاك المباشر الذي هو متوفر في المجتمعات الأهلية الوطنية أو القومية الصافية نسبيا.
إن ما ينتجه الفرد في عزلته هذه، وقد باتت مطلبا فرديا، هو نصّ مديني بامتياز له جملة إيقاعاته الخاصة المتبدلة والمتحولة والآنية التي يّعاد اقتراحها باستمرار بأثر عميق من المكان والذاكرة الابداعية للفرد معا، وهو نص غالبا ما يسعى إلى إدراك الذات بإعادة إنتاج تصور ما عنها وعن موقعها من العالم تخييليا، عِوَضا عن إدراك هذا العالم بوصفه جملة علاقات اجتماعية - تاريخية في سياق اجتماعي - اقتصادي ذي بنيات واضحة.
ربما هذا ما يجعل النص يبدو، غالبا، ذا مشاغل فردية قد تكون غالبا منبتة الصلة عن النصوص الأخرى التي جرى إنتاجها سابقا أو تلك الموروثة، وتجد في ذلك نوعا من “حداثتها” الخاصة بها التي قد يقبل بها البعض مثلما سوف تجد بالتأكيد مَنْ يرفضها أو يرفض انتماءها أو نسبتها إلى تاريخية النصوص التي جرى إنتاجها سابقا. هكذا النصوص، وقد تحققت تخييليا، عزلتها إلى جوار عزلة الفرد الذي أنتجها، أضف إلى ذلك أن القراءة كفعل مواز لفعل الكتابة هي امر مشكوك في تحققه نسبيا في أغلب مجتمعاتنا العربية. وبالطبع، فإن ما جاء في السطور أعلاه هو تأملات فردية محضة أشعلت شرارتها ثلاثة كتب - دواوين هي الأولى لأصحابها، وهذه التأملات التي ليست منزهة عن الخطأ تسعى إلى أن ترقى إلى مستوى الاجتهاد الشخصي فحسب، إلا أن الكتب هي: المدفون في الهواء لهاشم المعلم وأبعد من العدم لأحمد منصور والوصول بلا نهاية لأحمد عبيد المطروشي.
تأمل الأشياء
إن “جامع النص” وخصيصته المشتركة بين هذه الكتب الثلاثة أنها عبارة عن تأملات في الأشياء المحيطة بفرد في عزلته، هي اشياء تشي بها القصائد غالبا على أنها صغيرة الحجم ومن الممكن السيطرة عليها كان تكون تأملات في لوحة أو في مقطوعة موسيقية أو في فكرة أو في طريق، أو حتى في شخص. والأرجح هنا أن هذه الأشياء هي في متناول الفرد في عزلته الطابقية العالية والمتعالية حيث بالإمكان إدراكها تخييليا. لنتامل المقطع التالي لهاشم المعلم:
“في الصباح الباكر من شهر كانون
يجدف الموت بطيئا
بقارب خشبي مثقل بالنعوش واضعا قبعته
الأسطورية
فوق رأسه حاجبا عنا أشعة عينيه
الفوسفورية” المدفون في الهواء (ص 82)
إنه للوهلة الأولى تأمل في فكرة الموت وإعادة إنتاج لصورته على نحو أسطوري، لكنه تأمل فردي غير نابع من مرجعية مسبقة، أي أن هذه التفاصيل الصغيرة هي نتاج فردي خالص للفكرة في صورة قد تكون امتدادا لوعي قرائي أكثر مما أنها امتداد لموروث.
تجد فكرة الموت صدى آخر لدى أحمد عبيد المطروشي، فهذه الفكرة المجردة غير الملموسة تجد لها تسمية إذ تقرن إلى فكرة أخرى هي مجردة بدورها: “الحياة غريبة كضوء شمعة أحرقته الظهيرة
الطاهرة من كل ذنب ارتكبناه
كيف عبرنا الوحل من دون بوصلة العودة
الساحرة تعجن الطين وتتذوق نكهة اليأس
ذي المخالب الطويلة
كالموت” الوصول بلا نهاية (ص 71)
إن “آلية” إنتاج الصورة الشعرية هنا فردية تماما، على الرغم من استخدام ضمير الجمع لدى الشخص السارد في القصيدة، بل كما لو أنه يخاطب شتاته في مرايا وتعدد صور ذاته في العزلة. وبعيدا عن ذلك فإن الموت وصوره وتجلياته في كتاب أحمد منصور هو الأكثر ارتباطا بالعدم وفقا للمعنى الفلسفي لهذه الكلمة:
“الآن؛
وقد عزفت كل قيثارة،
وشددت على كل وتر
ونثرت كل محبة حتى نضبت
تراءى لي أني امتلأت بنوري
واستوت ناري،
فحشدت موسيقاي وأعشاب سكينتي
وشجت روحي برملي،
وأطلقت طائري،
وتواريت
وتوارى معي كل ما ما كان ذات مرة مني
ولم يعد هناك لا حياة،
ولا موت
ولا شيء”. (أبعد من العدم)
لم يكن الحديث عن الموت لدى الشعراء الثلاثة إلا لإدراك ذلك الميل إلى تحويل الحسي والغامض إلى حسي بحيث يصبح من الممكن إدراكه























